نظام الطيبات بين من أنقذه ومن دفع حياته ثمنا له

في الأشهر الأخيرة، تصدر اسم “نظام الطيبات” أحاديث كثيرة على منصات التواصل الاجتماعي، بين من يدافع عنه بوصفه طريقا نحو الشفاء الطبيعي، ومن يحذر منه بوصفه خطرا حقيقيا على حياة المرضى.

القصة بدأت تتضح أكثر بعدما تناولها تقرير حمل عنوان “نظام الطيبات” تنتهي بكوارث صحية، سلط الضوء على حكاية رجل خمسيني مصاب بالسكري من النوع الأول، توقف عن الأنسولين بعدما أقنعه طبيب باتباع هذا النظام الغذائي، ودخل بعد خمسة أيام فقط في غيبوبة سكري توفي إثرها في اليوم التالي.

ما هو نظام الطيبات؟

يقوم النظام على فكرة أن الجسد قادر على إصلاح نفسه إذا التزم الإنسان بـ”الطعام الصحيح” وابتعد عن “الأطعمة الخبيثة”، وهي فكرة تبدو في ظاهرها قريبة من حقائق تغذوية معروفة، فالغذاء يؤثر فعلا في الصحة، ونمط الحياة له دور في الوقاية من الأمراض.

لكن المشكلة، بحسب ما ورد، أن هذه الفكرة الجزئية تحولت إلى ادعاء شامل يقول إنه لا حاجة لأدوية القلب، ولا لأدوية السيولة، ولا لعلاج السكري، وأن تغيير الطعام وحده كفيل بالشفاء.

صاحب النظام، الطبيب ضياء العوضي، توفي بعد أشهر من انتشار طريقته، تاركا وراءه جدلا واسعا وأتباعا رددوا نظريات مؤامرة حول وفاته، بينما ركز آخرون على السؤال الأهم: هل يستند هذا النظام إلى أساس علمي؟

لماذا اتبعه بعض الناس

من غير المنصف اختزال جمهور هذا النظام في فئة تجهل العلم. فكثير من المرضى ينجذبون إليه بدافع الخوف من المرض، وإرهاق الأدوية المتكررة، وارتفاع تكلفة العلاج المستمر.

فحين يعجز المريض عن شراء أدويته بانتظام، يصبح أي وعد بالاستغناء عنها مغريا للغاية. ومن أسباب الانجذاب أيضا:

  •       الرغبة في حل “طبيعي” بعيدا من الأدوية اليومية.
  •       ضعف الثقة بالنظام الصحي وصعوبة الوصول إلى الطبيب.
  •       الخطاب العاطفي والشهادات الشخصية المتداولة على وسائل التواصل.
  •       الشعور المؤقت بالراحة الهضمية الذي يمنحه تقليل بعض الأطعمة.

لماذا عارضه أطباء وباحثون

في المقابل، رأى كثير من الأطباء أن النظام يقوم على خديعة مركزية، إذ يأخذ حقيقة صغيرة متفقا عليها، وهي أهمية الغذاء، ثم يبني عليها أسطورة أن الغذاء وحده بديل من الطب.

فاللغة التي يستخدمها النظام أخلاقية لا علمية، تقسم الطعام إلى “طيب” و”خبيث”، بينما التغذية لا تُفهم بهذه الثنائيات الحادة.

ومن المفارقات التي رصدها منتقدون أن النظام يمنع البيض والدجاج ومعظم البقوليات كالفول والعدس والحمص، وكثيرا من الخضروات الورقية، بينما يسمح بالجبن المطبوخ والنوتيلا والمربى والعسل والحلاوة الطحينية والعصائر المعلبة.

وهذا التناقض، بحسب ما نقلته مجلة المجلة في تقريرها، يقلب البوصلة الغذائية رأسا على عقب، إذ يخيف الناس من الخضروات والبقوليات ويطمئنهم في الوقت نفسه إلى الحلويات والمصنعات.

كما انتقد أطباء توصيات النظام حول شرب الماء عند الشعور بالعطش فقط، وتناول الطعام دون تقيد بالسعرات، معتبرين أن هذه القواعد قد تناسب بعض الأصحاء لكنها ليست آمنة للجميع، خصوصا كبار السن ومرضى الكلى والقلب والسكري ممن يحتاجون إلى إرشادات طبية خاصة.

تجارب واقعية بين النجاة والخسارة

الحادثة الأبرز التي وثقها التقرير هي وفاة الرجل الخمسيني بعد توقفه عن الأنسولين بنصيحة من مروج النظام، وهي حالة قدمت كمثال على خطورة ترك الأدوية المزمنة استنادا إلى وعود غير مثبتة علميا.

وأشار التقرير أيضا إلى أن مؤسس النظام نفسه توفي بعد فترة من انتشار طريقته، ما فتح الباب أمام روايات متضاربة بين من اعتبر وفاته دليلا على فشل النظام، ومن روج لنظريات مؤامرة حول “استهدافه” من شركات أدوية.

وبحسب ما ورد، لا يتحمل المرضى وحدهم مسؤولية انتشار هذا النظام، فقد ساهم الإعلام والمنصات والمشاهير في تضخيمه ومنحه شرعية زائفة، حتى تحول من رأي هامشي إلى تيار واسع الانتشار.

أين الدليل العلمي؟

يشدد أطباء وباحثون على أن أي ادعاء بعلاج أمراض مزمنة وخطيرة يحتاج إلى أدلة قوية، لا إلى مقاطع فيديو أو شهادات شخصية مؤثرة عاطفيا.

فإذا كان نظام غذائي قادرا فعلا على تحسين حالة مرضى القلب أو السكري، فإن إثبات ذلك يتطلب دراسات منشورة ومحكمة، ومتابعة طويلة، ونتائج قابلة للقياس. أما الادعاء بلا بحث فليس شجاعة علمية بقدر ما هو التفاف على العلم.

والملاحظ أن مروجي مثل هذه الأنظمة يميلون إلى تحويل غياب الدليل نفسه إلى نوع من “المؤامرة”، بحيث يصبح كل نقد دليلا إضافيا على صدقهم، وكل تدهور في حالة أحد الأتباع مجرد استثناء لا يمس صحة الفكرة العامة، وهذا ما يحول نظاما جدليا إلى معتقد يصعب مساءلته.

تدخل الجهات الرسمية

أمام هذا الانتشار، تحركت وزارة الصحة ونقابة الأطباء والمجلس الأعلى للإعلام لمواجهة النظام، في خطوة عكست إدراكا رسميا لخطورته على صحة المرضى المزمنين.

لكن هذا التدخل جاء بعدما صار للنظام جمهور واسع، ما يطرح تساؤلات حول كفاية آليات الإنذار المبكر في مواجهة التضليل الطبي المنتشر عبر المنصات. فالحظر وحده لا يكفي إذا بقيت الأسباب التي تدفع الناس نحو هذه الأنظمة قائمة، مثل ارتفاع تكلفة العلاج، وضعف الثقة بالمنظومة الصحية، وصعوبة الوصول إلى الطبيب.

ولذلك يرى مراقبون أن النقد يجب أن يتوجه أساسا إلى من يستغلون حاجة المرضى وخوفهم، لا إلى الضحايا أنفسهم الذين وجدوا في هذا النظام بصيص أمل في لحظة ضعف.

في الختام

بين من وجد في نظام الطيبات راحة نفسية مؤقتة ومن فقد حياته بعد توقفه عن دواء ضروري، تبقى الحقيقة أن أي قرار يتعلق بتعديل العلاج أو إيقافه يجب ألا يُتخذ إلا بالتشاور المباشر مع طبيب مختص يعرف الحالة الصحية الكاملة. فهل يستحق وعد غير مثبت علميا أن يخاطر الإنسان بأدويته الأساسية؟